ليلة القدر.. لفضيلة الشيخ د. هشام الحوسني

ليلة القدر

الشيخ: د.هشام الحوسني

مقتبس من: الدرس الثاني كتاب الصيام من منهاج السالكين وتوضيح الفقه في الدين

 

قال -صلى الله عليه وسلم-: ((من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه، ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه)) متفق عليه.

ومن قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدَّم من ذنبه، بيَّن -صلى الله عليه وسلم- فضل قيام ليلة القدر، وأن من قام هذه الليلة العظيمة التي أُنزل فيها القرآن، بيَّن فضلها -صلى الله عليه وسلم- وقال: ((غُفر له ما تقدَّم من ذنبه)). وأهل العلم -رحمهم الله تعالى- قد ذكروا في هذه الليالي العظيمة، الليالي الفضيلة، ذكروا فيها عدة مسائل، مثلًا من المسائل التي ذكروها؛ في أي يوم تكون ليلة القدر؟

فقالوا: تكون في العشر الأواخر من رمضان لقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((التمسوا ليلة القدر في العشر الأواخر من رمضان))، فهي إذًا في العشر الأواخر من رمضان، جاء في البخاري، ((تحرُّوا ليلة القدر في الوتر من العشر الأواخر))، يعني ليلة إحدىٍ وعشرين، وثلاثٍ وعشرين، وخمسٍ وعشرين، وسبعٍ وعشرين، وتسعٍ وعشرين، وجاء في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- ((وآخر ليلةٍ من رمضان))، يعني قد تكون في ليلة الثلاثين، فإذًا نقول: هي آكد في الوتر لكن ذلك لا يعني أنها لا تقع، أو لا تأتي في الشفع كذلك من العشر الأواخر من رمضان؛ لأنه قد جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- كما هو في حديث أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- في البخاري أنه لما تحدَّث عن ليلة القدر قال والتماسها قال: ((لتاسعةٍ تبقى ولسابعةٍ تبقى ولخامسةٍ تبقى ولثالثةٍ تبقى))، طيب لو كان رمضان ثلاثين يوم؟ التاسعة التي تبقى أي ليلة؟ التاسعة التي تبقى يعني تسع ليالٍ تبقى ورمضان ثلاثين يوم، يعني أي ليلة؟ الثانية والعشرين، تسع ليالي تتبقى، صحيح؟ ثانية والعشرين، والثالث والعشرين، والرابع والعشرين، والخامس والعشرين، والسادس والعشرين، والسابع والعشرين، والثامن والعشرين، والتاسع والعشرين، والثلاثين، واضح؟ واضح يا أيها الإخوة؟ لتاسعةٍ تبقى إذا كان رمضان ثلاثين يوم، تكون ليلة الثاني والعشرين، ولسابعةٍ تبقى؟ يعني ليلة الأربع والعشرين إذا كان رمضان ثلاثين يوم، ولخامسةٍ تبقى؟ ليلة السادس والعشرين إذا كان رمضان ثلاثين يوم وهكذا.

فإذًا هي صحيح كما جاء عن النبي -صلى الله عليه وسلم- ((أنها آكد في الوتر من العشر الأواخر))، لكن المسلم كذلك يجتهد حتى في الشفع من العشر الأواخر، لأنه قد جاءت في مثل هذه الأحاديث كما سمعتم وهو حديث أبي سعيد الخدري في البخاري.

وفي حديثٍ آخر، ((التمسوها في آخر ليلةٍ من رمضان))، آخر ليلةٍ متى تكون؟ قد تكون تسعة وعشرون وقد تكون ليلة الثلاثون، ف((التمسوها في آخر ليلةٍ من رمضان)).

وتتأكَّد كذلك في السبع الأخيرة من رمضان ((التمسوها في السبع من الوتر الأخير من رمضان)).  هذه كلها أحاديث جاءت في وقت هذه الليلة، هل هي في الوتر من العشر الأواخر أو هي في الشفع من العشر الأواخر؟ هي كما أخبر النبي- صلى الله عليه وسلم- أنه حين علم بوقتها ثم تلاحى رجلان يعني تخاصما رُفعت، ولعل ذلك خير كما جاء في الحديث النبي- صلى الله عليه وسلم- حتى يجتهد المسلم ويحرص على هذه الفضائل في هذه الليالي العشر الأخيرة من رمضان.

يقول- صلى الله عليه وسلم-في الصحيحين: ((أرى رؤياكم قد تواطئت على السبع الأواخر فمن تحرَّاها فاليتحرها في السبع الأواخر)).

هل ليلة القدر ثابتة؟ يعني في ليلةٍ واحدة أم أنها تتنقل؟ قد تكون في السنة تكون ليلة السابع والعشرين، وفي السنة الثانية تكون في ليلة الواحد والعشرين، في السنة الثالثة تكون مثلًا ليلة الخامس والعشرين، خلاف بين أهل العلم منهم من قال: إنها ثابتة في ليلةٍ واحدة، ومنهم من قال: إنها تتنقَّل وهذا هو الظاهر والله أعلم، أن ليلة القدر تنتقِل من سنةٍ إلى سنة، فقد تكون في ليلة السابع والعشرين وقد تكون في غير ذلك.  من الذي يدلُّ على هذا؟ نقول: أحاديث النبي- صلى الله عليه وسلم- وأثار الصحابة- رضوان الله عليهم-، مثلًا أبيُّ بن كعب- رضي الله عنه- كان يرى ويحلِف أنها ليلة السابع والعشرين، ننظر في بعض الأحاديث الأخرى، في أحاديث النبي -صلى الله عليه وسلم- حديث أبي سعيد يقول النبي -صلى الله عليه وسلم-: ((أَنِّي أُرِيتُ لَيْلَتَهَا فِي صَبيحَتِهَا أَنِّي أَسْجُدُ بَيْنَ الْمَاءِ وَالطِّينْ. فَلَمَّا نَظَرُواْ فَإِذَا بِهَا لَيْلَةَ الْوَاحِدْ وَالْعِشْرِينْ)).  لما سُئِلَ أُبَيّ بن كعب، كيف عرفت ولماذا حلفت أنها ليلة السابع والعشرين؟ قال: ((لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- أَخبر أن الشمس تطلع في صبيحتها لا شُعاع لها))، فالظاهر والله أعلم أن ليلة القدر من سنةٍ إلى أخرى تنتقل وليست بثابتةٍ في ليلةٍ واحدة، مع كثرة ما جاء عن صحابة النبي -صلى الله عليه وسلم- وما ذكره أُبَيّ بن كعب من أنها ليلة السابع والعشرين، لا شك ليلة السابع والعشرين جاءت فيها فضائل كثيرة، لكن الظاهر والله أعلم أن ليلة القدر تتنقل؛ لأن كما سمعنا حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه رآها رأى ليلة القدر وأنه يسجد في صبيحتها بين الماء والطين من أثر مطر فكانت هذه الليلة ليلة الحادي والعشرين من .رمضان، فالظاهر والله أعلم أن ليلة القدر تتنقل من سنة لأخرى.

 

COMMENTS