الدرس الأول من كتاب صحيح مسلم، للشيخ د.محمد بن غالب العمري

[  أهمية علم الحديث وفضل حملته]

فضل علم الحديث، هذا العلم المنيف والشريف، ويكفي أهل العلم بهذا الفن العظيم، يكفيهم شرفًا وفضلًا دخولهم في قول-صلى الله عليه وسلم-: ((نَضَّرَ اللَّهُ امْرَأً سَمِعَ مِنَّا حَدِيثًا فَحَفِظَهُ حَتَّى يُبَلِّغَهُ، فَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ إِلَى مَنْ هُوَ أَفْقَهُ مِنْهُ، وَرُبَّ حَامِلِ فِقْهٍ لَيْسَ بِفَقِيهٍ)) ، وهذا دعاءٌ منه- عليه الصلاة والسلام-بالنَّضارة، وهي الوضاءة، وما فيها من الجمال لمن طلب هذا العلم الشريف، وهذا ما جعل سُفيان بن عُيَيْنة-رحمه الله- يقول “لَيسَ مِنْ أهل الْحَدِيثَ أحد إِلَّا وَفِي وَجْهه نضرة لِهَذَا الْحَدِيث” أي للحديث  الوارد، ثم إن الإشتغال بهذا العلم هو تبليٌغ لحديث النبي-عليه الصلاة والسلام-في قوله-صلى الله عليه وسلم-: ((بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً)) ، فهذا الأمر هو لمن سلك هذا الطريق، ولمن أخذ بهذا العلم، وقد بشَّر النبي-صلى الله عليه وسلم-من سلك هذا المسلك وتمسك به؛ بأنه ممن هيئهُ الله-جل وعلا-لذلك، فقال-صلى الله عليه وسلم-في الحديث الحسن بمجموع الطرق: ((يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ، يَنْفُونَ عَنْهُ تَحْرِيفَ الْغَالِينَ، وَانْتِحَالِ الْمُبْطِلِينَ، وَتَأْوِيلِ الْجَاهِلِينَ)) ، وحينما تتأمل في هذا الحديث تجد أن النبي-عليه الصلاة والسلام- ذكر أنهم عدول ((يَحْمِلُ هَذَا الْعِلْمَ مِنْ كُلِّ خَلَفٍ عُدُولُهُ))، وأنهم هم أهل هذا العلم، العدول الأثبات، وليسوا الداخلين على هذا العلم، وهم ليسوا من أهله أو المتشبِّعين بأنهم من أهل الحديث، وهم أعظم ما يخالفون في الحديث عقيدة أهل الحديث، وسيْر أهل الحديث! وهذا بلا شك أنه لا يدخلهم في أمر العدالة، فأهل الحديث هم أحقُّ الناس بحمل العلم وبتبليغ دين الله-جل وعلا- للخلق.

[ بيان منزلة الحديث ]

وأسند إلى وَكيع بن الجرَّاح الرُّؤَاسِيُّ-رحمه الله-أنهُ قال: “لو أَعْلَم أن الصَّلَاةَ أفضل مِن الْحَدِيثِ ما حدَّثتُ حَدِيثًا”.

[بيان الاشتغال في علم الحديث]

في مقدمةِ شرحهِ لصحيح مُسلِم قال: “فإن الاشتغال بالعلمِ من أفضل القربات وأجلِّ الطاعات، وأهم أنواع الخير، وآكد العبادات، وأولى ما أَنْفَقْتَ فيه نفائس الأوقات-قال بعد ذلك ناصحًا-: وبادَرَ-مُخبرًا- وبَادرَ إلى الإهتمام به المسارعون في الخيرات، وسابق إلى التحلي به مستبقوا المكرُمات، وقد تظاهر على ما ذكرته جملٌ من الآيات الكريمات-قال بعد ذلك-: ومن أهم أنواع العلوم، تحقيق معرفة الأحاديث وذلك من نور النبوَّات”.

قال ابن جماعة الشافعي–رحمه الله-: “وعلى الطالب أن يُبكِّر بسماع الحديث، ولا يٌهمل الاشتغال به، ويَعلو به النظر في إسناده ورجاله”، أي يَطلب العالي من السند، فإن طلب العالي من السند كان مُبتغى الأئمة المحققون والثقات المحدثون، بل إن من حرص السلف على هذا العلم والعناية به؛ أنهم كان بعضهم يرى إكراه الولد على سماع الحديث،

قال الخطيب البغدادي في كتابه (شرف أصحاب الحديث): عن عبدالله بن داود قال: “ينبغي للرجل أن يُكرِهَ ولدهُ على سماع الحديث”، حتى إذا قام سُوق ولده واكتمل نموه وهو يسمع أحاديث رسول الله-صلى الله عليه وسلم- فيتربى على ذلك، ويعرف السُنن، ويميز بين أحاديث النبي-عليه الصلاة والسلام-وأحاديث غيره، وفي هذا نفٌع عظيم، ولأهمية هذا العلم ومنزلتهِ شمر في ذلك العلماء، وجعلوه ديدنهم، فلا يملُّون من سماعه، ولا يفتُرون عن طلبه، ولا يتقاعسون عن تحصيله.

 قيل لابن المبارك: “إلى كم تكتُب الحديث؟  فقال-رحمه الله-: لعل الكلمة التي أنتفع بها لم أسمعها بعد”.

[حرص طالب العلم عن التحلي بأخلاق العلماء]

ومع طلبهم لهذا العلم، وحرصهم عليه لم يفصِلوا ذلك عن التحلِّي بأخلاق العلماء، وبأَخلاق المحدِّثين وبالإِتصاف بمكارم الأَخلاق وبمعالي الصفات، قرنوا طلبهم للعلم بأجمل الآداب وبأكمل الأخلاق، فهم أَولى الناس أن يتَّحلوا بذلك، وهم أحقُّ الناس أن يعتنوا بأَخلاق النبي-صلى الله عليه وسلم- ويتأَسَّوا به في ذلك.

[ النية في طلب العلم الحديث]

وطالب الحديث خاصة، أن ينظر في نيته وأن ينظر في مقصده، فإن النية الصالحة سببٌ لقبول الأَعمال، والإنسان يجتهد في صلاح نيته وفي استقامتها على أمر التعبد لله -جل وعلا-.

لذلك قال أبو عاصم-رحمه الله-: “من طلب الحديث فقد طلب أعلى أمور الدنيا، فيجب أن يكون خير الناس”، والإنسان إنما يَتعلَّمُ العلم ليعمل به، ليتعبَّد لله -جل وعلا- بمقتضى هذا العلم، ليعرف حقَّ الله -جل وعلا- عليه أولًا ثم حقَّ الخلق، فالعلم الذي لا يؤَثِّرُ في صاحبه هو بلا شك حجةٌ عليه، وهو ضررٌ عليه أكثر مما يظن أنه نفع.

وعلى هذا فإن الإنسان ينبغي عليه أن يستحضر النية الصالحة في طلبه ويُتْبِع هذا الطلب بأمر العمل بالعلم، وهذا هو حال السلف-رحمهم الله رحمةً واسعةً-.

قال الثوري: “لا أَعلم شيئًا من الأعمال أَفضل من طلب الحديث لمن حَسُنت نيته”

وقال حماد بن سلمه-رحمه الله-: “من طلب الحديث لغير اللهِ مُكِرَ به”. فيجتهد طالب العلم أن تكون نيته لله خالصة.

[همة طلب العلم]

طلب هذا العلم لابد من الهمَّة العالية، عندما قيل لعامر بن شرحبيل الشَعبي: كيف طلبت العلم؟ قال: “بصبرٍ كصبر الجماد، وبُكورٍ كبُكورِ الغُراب”! بصبرٍ كصبرِ الجماد، الجماد لا يتحرك إِن لم يحركه إِنسان، وأَعطاه الشَعبي وصف الصبر دِلالة على أنه في الحقيقة غير مُكلَّف، وإنما أُعطي هذا الوصف ليدُل على أَن هذا الجماد قد بلغ في الصبر غايته، ويحتاج طالب العلم إِلى الصبر، المتَملِّل لا يطلب العلم، الذي إذا بدأَ في درس ملَّ وقال إِن شاء الله درس آخر، ثم يأتي إلى الدرس الآخر ويمل، ويقول درس ثالث، والبعض يقول: يا اخي ما في دروس! الدروس موجودة والحمد لله، العلم يَقوم به من يقوم به، ولكن في الحقيقة ما في همَّة، وهذا هو الصواب أن يُقال، وإلا فالحمدُ لله لم يُغلق للعلم باب، فأبواب العلم مُشْرَعة، وسُبل العلم واضحة لمن أرادَ أن يطلب العلم، و أراد أن يستزيد من العلم وأن يستفيد، وإنما النظر في هِمَمِنا الضعيفة، في اتِكالنا وفي مَيلنا إلى الدَعة والراحة وإلى الكسل، “قل لطالب العلم يلبس نعلين من حديد” يقول سفيان.

قال يحيى بن أبي كثير: “لا يُنال العلم براحةِ الجسد”، لابد من أن تبذل من جُهدك، وأن تبذل من وقتك، وأن تبذل من مالك، وأَن تبذل من نومك، وأن تبذل من راحتك حتى تُحصِّل هذا العلم، فالعلم إِن أعطيته كُلك أعطاك بعضه، فكيف إذا أعطيته بعضك أو أعطيتهُ فضول الأوقات، أو أعطيته الوقت الذي تجد نفسك فارغًا فيه، قد انتهيت من كل أمورك تقول-إن شاء الله-هذه الربع ساعة نجعلها لطلب العلم، ماذا ستُحصِّل؟! طلب العلم يُقدَّم على الطعام والشراب، تجد وقتًا لطعامك، ووقتًا لشرابك، ووقتًا لجلوسك، ووقتًا لأُنسك، ووقتًا لنومك، ووقتًا لراحتك، ووقتًا لخروجك ودخولك، ولا تجد وقتًا للعلم!!

هذا من الغِبْن، ولذلك كان السلف يحتسبون طالب العلم، أهلهُ يحتسبونه إِذا بدأ في طلب العلم كما ذكر ذلك الخطيب في (الجامع لأَخلاق الراوي وأداب السامع)، عن ابن عُيينة قال: “كان الشاب إذا وقع في الحديث احتسبهُ أَهله” خلاص يتركوه للحديث، الحديث يحتاج إلى تفرغ، يحتاج لاجتهاد، قال ابن القيم-رحمه الله-في الفوائد: “وأَعلى الهمم في طلب العلم، طلب الكتاب والسنة، والفهم عن الله ورسوله”.

[فضائِل حَملة هذا العلم]

أنهم هُم الذَّابون عن هذا الدين، أن هيأ الله-جل وعلا- أناسًا من أهل العلم يَبحثون ويُفتِّشون ويُميِّزون بين الأحاديث بين صحيحها وضعيفها، ولا يمرون على إسناد إلا ويعرفون مدخله ومنتهاهُ، ويعرفون حال الرواة، وإن وجدوا أدنى ضعف لم يَقبلوا الحديث، وقدَّموا أحاديث الثقات، وصنَّفوا في ذلك، وهذا مما لم يتيسَّر للأمم السابقة فظهر فيهم التحريف، فكان هذا العلم (علم الحديث) وما ارتبط به من علم الجرح والتعديل من أنفع العلوم التي فيها الذَّب عن دين الله –جل وعلا-، وما أجمل ما قاله الشافعي–رحمه الله-: “لولا أهل المحَابِر لخطبت الزنادقةُ على المنَابر”، وبنحوِ هذا الكلام تكلم الذهبي–رحمه الله- في السِّيَر: “لولا علماء الجرح والتعديل ومن قام مقامهم بالجهود التي يبذلونها؛ لخطب الزنادقة على المنابر”.

فهذه الجهود الكبيرة التي قام بها العلماء من السابقين واللاحقين، فجاءنا العلم عذبًا سهلًا مُيسرًا بما هيَّأ الله –جل وعلا-من هذه الأسباب، ففضائلهم كثيرة ومتوافرة، ولهم الصفات التي ينبغي لطالب العلم ألا يَحرِم نفسه من النظر فيها، ومن معرفة سيرهم، ومن معرفة رحلاتهم، ومن التأمل في طلبهم للعلم؛ فإن ذلك يشحذ الهمة ويقوي العزيمة، وفيه من المنافع الشيء الكثير.

وقد صدق من قال: “أقرؤوا التاريخ إذ فيه العبر، ضلَّ قومٌ ليس يدرون الخبر”، ننظُر في تاريخهم وفي سيرهم، ونقف على آثارهم وعلى أعمالهم، وعلى حُسن تعبُّدهم لله –جل وعلا-، فإن هذا مما يشحذ الهمَّة ويقوي العزم.

[عدم التعذر في طالب العلم ]

أنَّ طالِب العلِم يسعى في رزقهِ بالرزق الحلال، وأن لا يكونَ تُكَأَة يَتَّكىء على الناس، هذا يُعطيهِ وهذا يُردُّه، وإنما ينبغي أن يسعى في رزقهِ ليكفي نفسه، وليكفي أيضًا من يعول إن كان عندهُ من يعوله، وعلى هذ سيرة جمع من أهل العلم، بل سيرة جمع من الصحابة-رضي اللهُ عنهم وأرضاهم-.

[تحذير السلف من أهل البدع واتباع سنة رسول الله  – صلى الله عليه وسلم- ]

أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسَقيمِها وثقات الناقلين لها من المتَّهَمين؛ أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه-أي من الستر-، وأن يتَّقيَ منها ما كان منها من أهل التُّهَم، والمعاندين من أهل البدع”.

وبلا شك أنه لا يحذر من أهل البدع، ولا يميِّزُ بينهم وبين أهل السنة إلا صاحب سنة، أما الذي يريد أن يعيش أخلاطًا بين الناس؛ مرةً على طريق فلان ومرةً على منهج فلان، فإنَّ هذا لن ينصر سنةً ولن يقمع بدعة، كأصحاب قاعدة المعذرة والتعاون: (نتعاون فيما اتفقنا عليه، ويعذر بعضنا بعضًا فيما اختلفنا فيه)!

فتجد معه الجهمي والمعتزِلي والرافضي، دون أن تحركه الغَيرة على الدين، ولا الإنتصار لسنة النبي-صلى الله عليه وسلم-، أما السلف ما كانت هذه طريقتهم، كانوا يحذرون من أهل الضلال والبدع ويفارقونهم، وأنهم أضرُّ على الدين من غيرهم، ولذلك تجد في كتبهم من العبارات القوية في التحذير وفي التنفيذ.

[أعلى مراتب صحة الحديث]

1- ما اتفق عليه البخاري ومسلم .

2- ما انفرد به البخاري .

3- ما انفرد به مسلم .

4- ما كان على شرطهما.

[مميزات كتاب مسلم]

أولتتا: مرتب على طريقة الكتب والأبواب الفقهية.

ثانيا: أنه خاص بالأحاديث الصحيحة التي هي على شرطه.

ثالثا: وجود المقدمة المفيدة وهي مقدمة صحيح مسلم، والتي فيها العناية الكبيرة والآثار النافعة فيما يتعلق بعلوم الحديث.

رابعا: حسن الترتيب، ومن جمع الطرق، وسردها في مكان واحد.

[ الفرق بين كتاب صحيح البخاري وكتاب صحيح مسلم]

أنه تجنب الضعيف، ولم يعتني بذكر الموقوفات، بخلاف البخاري أنه ذكر جملة من الموقوفات.

[ترتيب كتاب صحيح مسلم بين الكتب الحديث]

ومما لا مجال فيه للإعتراض أن صحيح مسلم بعد صحيح البخاري، وهما أصحُّ الكتب بعد كتاب الله –جل وعلا-.

[ بيان منزلة كتاب صحيح مسلم ]

وهو كتابٌ عظيم، وحري بأهل الإسلام وبطلبة العلم خاصة أن يعتنوا بالنظر فيه؛ فإنه قد امتاز على كثيرٍ من الكتب، ومن أعلى ما امتاز به الصحَّة، ثم حُسن التبويب، وهذا من المِيَز العظيمة التي وفق الله –جل وعلا- الإمام مسلم لتضمين كتابه إياها.

COMMENTS